الخوف من ملاحقة الأجهزة الأمنية واشتراط الحصول على موافقتها المسبقة ودفع رشاوى أبرز تلك الصعوبات

يواجه الأهالي الراغبون بثبيت ملكية عقاراتهم في الغوطة الشرقية بريف دمشق عقبات ومخاوف عديدة؛ تتمثل في احتمالية تعرضهم للملاحقة والاعتقال من قبل أجهزة الأمن السورية، الأمر الذي اضطر بعضهم إلى دفع مبالغ مالية ضخمة كرشاوى لموظفين في المؤسسات الحكومية مقابل تسهيل عملية تثبيت الملكية، في حين بقي القسم الأكبر من المدنيين عاجزين عن إثبات ملكية العقارات التي اشتروها خلال فترة سيطرة فصائل المعارضة العسكرية عل المنطقة والتي امتدت لسنوات عديدة حتى العام 2018، وذلك لعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف الرشاوى.

الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة تحدّث إلى عدد من الأهالي المقيمين في الغوطة الشرقية حالياً وإلى آخرين نزحوا إلى الشمال السوري، حيث قام جميعهم مؤخراً ببدء إجراءات معاملات تثبيت ملكية للعقارات التي اشتروها سابقاً ما بين عامي 2012 و2018، وشرح الشهود/الأهالي -الذين رفضوا كشف هويتهم الحقيقة واستخدموا أسماء مستعارة لأسباب أمنية- الطرق التي يمكن من خلالها تبيت ملكية العقار في الوقت الراهن.

  1. لمحة عن وضع السجل العقاري للمنطقة خلال فترة سيطرة فصائل المعارضة المسلحة:

منذ أن أحكمت الفصائل العسكرية المعارضة سيطرتها على الغوطة الشرقية عامي 2012 و 2013 عملت المجالس المحلية -لاسيما المجلس المحلي في مدينة دوما- على إنشاء سجل مدني وعقاري، معتمدين بشكل رئيسي على السجلات التابعة للحكومة السورية والتي بقيت في المدينة، وتم تحديث السجلات وتوثيق عمليات البيع والشراء والملكيات فيها مع مرور الأيام، كما تم حفظها بنسخ ورقية ضمن قبو مبنى المجلس المحلي وتم حفظ نسخة إلكترونية من هذه السجلات أيضاً.

وخلال تلك الفترة، كانت الحكومة السورية/دمشق ترسل "كاتب عدل" إلى الغوطة الشرقية على فترات متقطعة ليقوم بتسير بعض أمور المدنيين فيها، وكان "كاتب العدل" هذا يدخل عبر الحواجز الرسمية للقوات النظامية السورية وفصائل المعارضة المسلحة وكانت مواعيد دخوله متفاوتة، وخلال تلك الزيارات كان يقوم بتسجيل عدد من عمليات نقل الملكية والبيع والشراء والتوكيل، وبدورها فقد صادقت الحكومة السورية على جميع تلك الوثائق والمعاملات التي أجراها كاتب العدل الخاص بها على الرغم من حالة النزاع العسكري القائمة بينها وبين فصائل المعارضة العسكرية التي كانت تسيطر على المنطقة.

عندما استعادت الحكومة السورية السيطرة على المنطقة في نيسان 2018 قامت بنقل السجلات العقارية والمدنية من مدينة دوما -التي أنشأتها مؤسسات المعارضة- إلى منطقة المزة في العاصمة دمشق وأحدثت هناك سجلاً عقارياً جديداً خاصاً بالغوطة الشرقية.

يشير الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة أن المؤسسات الحكومية لا تعترف بالوثائق التي تم إصدارها من قبل مؤسسات المعارضة[1] في الغوطة الشرقية خلال عامي 2012 و 2018 ، كما أن المدنيين الذين حصلوا على أوراق صادرة عن سجلات المعارضة تثبت ملكيتهم للعقار يتخوفون من إبرازها -ولو على سبيل الاسئناس- خوفاً من تعرضهم للاعتقال والمسائلة والاتهام بكونهم "مازالوا يتعاملون مع جهات إرهابية" حسب ما وصف بعض الأهالي.

  1. طرق تثبيت أو نقل الملكية التي يتبعها المدنيون في الوقت الراهن:

الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة رصد بعض عمليات البيع والشراء وبعض عمليات تثبيت ونقل الملكية في الغوطة الشرقية وقال ما يلي:

"يلجأ الأهالي في الوقت الراهن إلى دفع مبالغ مالية كبيرة كرشاوى من أجل نقل ملكية أي عقار تم شراءه سابقاً -بين عامي 2012 و2018- وذلك في حال كان أحد طرفي العقد موجوداً خارج الغوطة الشرقية. وعلى الرغم من عدم تسجيل أي حالة اعتقال على خلفية المعاملات العقارية، فإن هناك تخوفاً كبيراً لدى الأهالي من المسائلة والملاحقة الأمنية، حيث أن أي معاملة عقارية يشترط فيها الحصول على موافقة أمنية صادرة عن إدارة المخابرات العامة/أمن الدولة وتأتي تلك الموافقة بعد إجراء الأجهزة الأمنية المتواجدة في المنطقة لدراسة شاملة عن الأشخاص المذكورة أسمائهم في المعاملة العقارية، وسبق أن توقف أصحاب المعاملات عن استكمال معاملاتهم بسبب عدم حصولهم أو حصول أحد المعنين بالمعاملة على تلك الموافقة."

وفي الوقت الراهن، فإن أحوال أو أوضاع مالكي العقارات في الغوطة الشرقية تتلّخص كالتالي:

  1. وجود المشتري والبائع معاً في الغوطة الشرقية: في هذه الحالة فإنه من السهل إتمام معاملة تثبيت الملكية بعد الحصول على الموافقة الأمنية، ولا يكلف الأمر مبالغ مالية إضافية عن الرسوم المفروضة على المعاملات، ولكن تجدر الإشارة إلى ارتفاع قيمة الرسوم ذاتها عن السابق، فعلى سبيل المثال؛ فإن الحصول على "كشف محكمة"[2] حول قطعة أرض أصبح يكلّف 500 ألف ليرة سورية (بما يعادل 1000 دولار أمريكي) بينما كان سابقاً يكلف 7 آلاف ليرة فقط.

وحول هذه الحالة، قال "أنس" الذي يملك شقة سكنية في مدينة دوما وقام ببيعها في وقت سابق إلى "ياسر" المقيم في دوما أيضاً:

"عندما أردنا تثبيت عملية البيع التي تمت سابقاً، توجهت أنا وياسر إلى معقب معاملات لإتمام عملية الفراغ، وأخبرنا معقب المعاملات أن الأمور تسير بشكل طبيعي ولكن يجب أن ننتظر مدة 15 يوماً ريثما تتوضح نتيجة الدراسة الأمنية، وبعد 15 يوماً أخبرنا أنه بإمكاننا القيام بمعاملة الفراغ وحصل ذلك."

  1. وجود المشتري في الغوطة الشرقية والبائع نازح في شمال سوريا/مناطق خاضعة للمعارضة: فإنه في هذه الحالة من الصعب جداً نقل ملكية أو تثبيت بيع عقار ما، كما أن الأهالي يتخوفون من ذكر أنهم اشتروا عقاراً من شخص غادر نحو شمال سوريا حيث يعد ذلك "تهمة بالتعامل مع إرهابي"، ولتثبيت الملكية يلجأ المدنيون إى إحدى الطرق التالية؛ إما أن يكون البائع الذي غادر نحو الشمال قد أجرى توكيلاً بالبيع لأحد الموجودين في الغوطة الشرقية وذلك عبر كاتب العدل التابع للحكومة السورية- المذكور آنفاً-، أو أن يقوم المتشري بالاتفاق مع الشهود ومعقب المعاملات على تغير تاريخ العقد المبرم أو تاريخ الشراء ووضعه قبل عام 2011، أو أن يقوم المشتري بدفع رشوى لكاتب العدل الحالي ليقوم بتثبيت المعاملة على أن البائع موجود.

وحول تلك الأحول، تحدث شهود عيان للباحث الميداني عن طرق إجراء معاملاتهم، حيث قال "أبو عماد" مدني مقيم في شمال سوريا ما يلي:

"عندما خرجت من المنطقة خلال عملية التهجير وحدي وبقي أهلي، ومنذ فترة قصيرة أرادوا أن ينهموا معاملة حصر الإرث[3] وتثبيت ملكية العقارات للورثة، ومن أجل ذلك قاموا بدفع رشوى لكاتب العدل المخوّل بالأمر وقبض مبلغ 100 ألف ليرة سورية مقابل أن يسجل الأملاك أصولاً رغم موجودي بالشمال، واكتفى فقط بأني أرسلت له هويتي الشخصية عبر أحد شركات النقل، وسجل البيانات بناء عليها وأكمل معاملة حصر الإرث، لو لم نقم بدفع الرشوى لكان من المستحيل إكمال المعاملة."

أيضاً "أبو محمود" خرج من الغوطة الشرقية باتجاه الشمال مع عائلته، حيث قال ما يلي:

"قبيل خروجنا من الغوطة قمت بإجراء توكيل رسمي نظامي عبر كاتب العدل التابع للحكومة السورية/دمشق والذي كان يحضر إلى الغوطة الشرقية بشكل متقطع، قمت بتوكيل أحد الأصدقاء ببيع سيارتي ومحلي ومنزلي وعندما خرجت إلى الشمال طلبت منه بيعهم وفعلاً تم البيع بموجب هذه الوكالة وتم فراغ الأملاك كلها للمشتري الجديد."

أما "حسين" فقد باع أرض يملكها موجودة في "بلدة ميدعا" لأحد الأشخاص في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، وعندما أراد الشاري تثبيت الملكية قام بالاتفاق مع البائع والشهود على تغير تاريخ عقد البيع، حيث أن المبيع قد تم عام 2017 ولكنهم غيرو التاريخ إلى 2010، وتمكن الشاري بعد ذلك من تثبيت ملكيته بعد الاستعانة بمعقب معاملات.

وفي حادثة أخرى، لم يتمكن المشتري من تثبيت الملكية بسبب وجود أحد المعنين بالمعاملة في الشمال، حيث قال "رائد" مقيم في دولة خارج سوريا:

"قمت بشراء قطعة أرض كبيرة قرب مدينة دوما وقمت بتسجيلها باسم أمي، وعندما أردنا إتمام معاملة الفراغ تفاجئنا أن أحد المالكين قد نزح إلى شمال سوريا، ويوجد باسم هذا الشخص 45 متراً من مساحة مجمل الأرض التي اشتريتها، وقد توقفت كل المعاملة بسبب ذلك حيث أنه هذا الشخص لم يقم بإجراء أي توكيل قبل خروجه من دوما ومن المستحيل تثبيت ملكية أرض صاحبها متهم بالإرهاب."

  1. وجود البائع والمشتري معاً في الشمال السوري: بهذه الحالة فإنه يستحيل بالوقت الراهن نقل ملكية أي عقار بين الشخصين، ولا يمكن لهما إجراء أي توكيل بظل وضعهم الراهن، وفي حال كان البائع أو المشتري مطلوبان لدى الأجهزة الأمنية أو مصنفان ضمن المرتكبين لجرائم ضد أمن الدولة فإنه سيتم إلقاء الحجز الإحتياطي[4] على أملاكهم بموجب المرسوم 19 لعام 2012، وسبق أن أعدت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة تقريراً حول حوادث مشابهة.[5]

يشير الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة إلى أن الشريحة الأكبر من المدنين الذين أنجزوا معاملات تجارية وعقارية وبقيوا في الغوطة الشرقية مازلوا غير قادرين على تثبيت الملكية كون أن طرف العقد الآخر موجود في شمال سوريا أو من المطلوبين للأجهزة الأمنية وبالتالي فإنهم يتخوفون من ترتب مسؤولية عليهم لتعاملهم معهم.

أيضاً تجدر الإشارة إلى أن الباحث الميداني قد رصد عمليات بيع وشراء واسعة النطاق في بلدة "حوش الضواهرة" في الغوطة الشرقية، حيث يعمل تجار عقارات معروفين على التوسط بين أهل المنطقة وشخصيات إيرانية لشراء أراض ومنازل سكنية بأسعار مرتفعة جداً تفوق قيمة العقار الحالية. ويشير بعض أهالي الغوطة الشرقية إلى أن عمليات الشراء تلك محاولة لإحداث تغير ديموغرافي في المنطقة حيث أن التركيز على شراء مساحات واسعة في بلدة واحدة أمر يثير الشكوك.

ونقل الباحث الميداني عن أحد تجّار العقارات في الغوطة الشرقية ما يلي:

"قبل اندلاع الثورة السورية كان هناك تجار يشترون العقارات في منطقة دمشق القديمة وخصوصاً الآمرية والشاغور لصالح شخصيات إيرانية، حيث كانوا يتوسطون بينهم وبين مالكي العقارات، وسبق أن شهدت دمشق القديمة عدة حوادث حرائق كبيرة مفتعلة في منازل ومحال تجارية كانت على خلفية رفض مالكي تلك العقارات بيعها، وبعد أن سيطرت الحكومة السورية على الغوطة الشرقية عاد إلى الواجهة عدد من هؤلاء التجار ذاتهم ويعملون على التوسط في بيع العقارات بالغوطة، وقد شهدنا نشاطاً في ذلك لكل من التجار التالية أسماؤهم؛ خ.ك وب.ك ون.س وأ.ن."[6] بحسب تصريح التاجر نفسه.

 


[1] المقصود هنا، المعاملات التي كانت تتم عن طريق المجالس المحلّية والتي كانت تابعة للإئتلاف السوري المعارض.

[2] "كشف المحكمة" هي وثيقة بمثابة إخراج قيد عقاري تصدر عن محكمة معينة بالقضية يتوضح فيها مساحة الأرض مع مخطط ورقي لها يوضح أبعادها والأراضي المجاورة لها، ويتم منحها بعد أن تقوم لجنة مهندسين بمعاينة الأرض على الواقع ومطابقتها مع الرسم التخطيطي لها.

[3] حصر الإرث؛ ورقة تصدر عن المحاكم لبيان من هم ورثة المتوفى وما هي حصة كل منهم ونصيبه في التركة حسب درجة القرابة، وله نوعانحصر إرث شرعي: وهو الذي يصدر عن القاضي الشرعي في المنطقة، وفيها يحدد من هم الورثة وحصصهم الشرعية حسب القانون ويتم بالحصر الإرث الشرعي تقسيم الأموال المنقولة وغير المنقولة (أي العقارات المنظمة)، وحصر إرث قانوني: وهو الذي يصدر عن محكمة الصلح المدني في المنطقة لتقسيم العقارات الأميرية (أي غير المنظمة من قبل الدولة).

[4]  الحجز الاحتياطي هو وضع أموال المدين تحت تصرف القضاء ويكون عادة من اختصاص المحكمة، ولكن تم تعديل ذلك بموجب مرسوم رقم 63 لعام 2012 حيث تم منح وزير المالية الصلاحية لوضع الحجز الاحتياطي وإشارة الحجز الاحتياطي على أموال مرتكبي جرائم متعلقة بأمن الدولة والجرائم الواردة بالمرسوم رقم 19 لعام 2012. تشير المستشارة القانونية لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة إلى أن المرسوم المذكور قد نقل إحدى صلاحيات اختصاص القضاء إلى سلطة تنفيذية غير مؤهلة قانونياً بها، كما أن الجرائم الواقعة تحت إطار أمن الدولة والإرهاب تحمل معنى فضفاض جداً وغير محددة بشكل صريح في القانون كما يصعب تقديرها.

[5] سوريا: قرارت تعسفية بالحجز الاحتياطي على أملاك معارضين، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة بتاريخ 6 آذار/مارس 2019، آخر زيارة بتاريخ (6 آاذار /مارس 2019) . https://stj-sy.com/ar/view/1211.

[6] ذكر التاجر أسماء لعدد من التجار الذين يقومون بالتوسط لشراء العقارات لشخصيات إيرانية، وتتحفظ سوريون من أجل الحقيقة والعدالة على نشر هذه الأسماء لحين التحقق منها من عدّة مصارد مستقلة وشهادات دامغة.

وسوم
الغوطة الشرقية الاستيلاء على ممتلكات انتهاكات أخرى

موضوعات ذات صلة

التعليقات

    لا يوجد تعليقات كن أول المعلقين

اترك تعليقك