التراجع الإدراكي والذهني كان قد بلغ ذروته مؤخراً لدى أطفال إدلب وحماه نتيجة استمرار النزاع

مقدمة: خلّف النزاع السوري المستمرّ منذ أكثر من سبعة أعوام آثاراً سلبية كبيرة على فئة الأطفال في سوريا وعموماً ومنها مدن وبلدات محافظتي إدلب وحماة، إذ بات العديد منهم يواجهون خطر التحول إلى جيل أميّ، أو في أحسن الأحوال إلى جيل بالكاد يعرف مبادئ القراءة والكتابة، وكل ذلك نتيجة العنف الدائر الذي أدى إلى تراجع التحصيل الدراسي وسبّب ضعفاً كبيراً في التركيز لديهم. ووفقاً للعديد من الشهادات التي حصلت عليها سوريون من أجل الحقيقة والعدالة،  فإنّ معايشة السنوات الماضية من النزاع السوري وما تخلّله من أحداث دامية مليئة بعمليات القصف والدمار والنزوح، كانت قد انعكست على فئة الأطفال في مناطق إدلب وحماة، وأدت بشكل واضح إلى تراجع المستوى الإدراكي والذهني، ووجود فارق كبير بين العمر الزمني والعمر العقلي للأطفال في تلك المناطق، فعلى سبيل المثال قد يكون الطفل في عمر 11 عاماً، إلا أنه لم ينجح بعد في تجاوز الصف الثالث الابتدائي، بسبب ضعف التركيز وعدم قدرته على استيعاب المعلومات وتلقي التعليم.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) قد قالت في بيان[1] لها بتاريخ 23 نيسان/أبريل 2018، بأنّ النزاع السوري تسبّب في خسارة 8.2 مليون طفل للدراسة. بعض هؤلاء الأطفال لم يذهبوا إلى المدرسة ُمطلقاً، بينما فات على بعضهم الآخر أعوام طويلة من التعليم، مما صعّب عليهم اللحاق بالركب، وجاء في بيانها بأنه ومنذ بدء النزاع في سوريا عام 2011، تعرضت 309 مرافق تعليمية للهجوم، وبات استخدام واحدة من كل ثلاث مدارس غير ممكن نتيجة تعرضها للتدمير أو الإتلاف أو استخدامها لأغراض عسكرية أو لإيواء العائلات النازحة. كما ذكرت "بأنّ ما نسبته 40% تقريباً من الأطفال غير الملتحقين بالمدرسة تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة، مما يجعلهم ٌعرضة للاستغلال أو الإجبار على الزواج والتجنيد في القتال والعمالة."

وبحسب الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فلم يقتصر الضرر الذي خلفته الحرب في سوريا على الأطفال من ناحية القتل والتشرّد فقط، بل طال حياة الطفل وحالته النفسية التي باتت بيئة خصبة للأمراض النفسية والاضطرابات التي تنتج عنها عواقب لا تُحمد عقباها، ويعتبر التراجع الذهني والإدراكي هو أحد أخطر هذه العواقب بلا شكّ، لأن العلم هو الركيزة الأساسية والدعامة القوية التي يبنى عليها مستقبل الطفل ومقياسا لمدى نجاحه من فشله.

ولم يتسبّب النزاع الدائر في انخفاض التحصيل الدراسي وضعف التركيز لدى الأطفال فقط، بل إنه أدى إلى مقتل العديد منهم في مناطق مختلفة من سوريا، حيث كانت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة قد وثقت مؤخراً مقتل 12 طفلاً وإصابة 25 آخرين في مدينة الرقة، جرّاء انفجار ألغام أثناء عملهم في جمع الخردوات من تحت الأنقاض.[2]

كما كانت المنظمة قد ذكرت بأنّ شريحة واسعة من الأطفال دون سن الخامسة عشرة من المقيمين في مدينة حماه وسط سوريا، يجبرون على العمل بمهن ومجالات مختلفة بعضها يجعلهم عرضة للاستغلال والخطر، وذلك وسط غياب الرقابة والمحاسبة من السلطات المحلية التي تستند إلى قوانين تجرّم عمل الأطفال دون سن الـ15 فقط وليس سنّ الـ18.[3]

"لا زال صوت أخي وصور أقاربي في مخيلتي، وكأنهم يعيشون معي في كل لحظة":

غيّر العنف الدائر حياة العديد من الأطفال في ريف حماة، كما أنه طمس معالم مستقبلهم. "عباس الخالد" 15 عاماً، هو أحد أولئك الأطفال، إذ أنه ينحدر من منطقة "جبل شحشبو" في ريف حماة الغربي، وكان لمقتل والده وجدّه وشقيقه الأصغر في الأعوام الماضية، أثراً سلبياً غيرّ مجرى حياته وقلبها رأسا على عقب، كما كان سبباَ من أسباب تعاسته وضعف تركيزه في المدرسة، ما اضطرّه إلى معاودة دراسة الصف التاسع الإعدادي للمرة الثانية هذا العام، وخاصةً بعد رسوبه في المدرسة عام 2017، حيث تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، في هذا الصدد قائلاَ:

"حينما بدأت الحرب، كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكنت أعيش مع أسرتي المكونة من  أمي ووالدي في منطقة جبل شحشبو، لكنّ حياتي بدأت تنحو باتجاه آخر، فقد مررت بأيام سوداء خلال هذه السنوات الماضية، فلطالما استيقظت على أصوات القصف والطيران في الأجواء، وأصوات أفراد عائلتي وهم يخبرونني بأنه يتوجب علينا النزوح وبسرعة، لقد مرّت سنوات  فقدت فيها العديد من الأهل والأقارب والأصدقاء الذين كانوا سبباً في سعادتي، فقد توفي أخي الصغير في العام 2013،  وقُتل جدي في العام 2014، ثم تبعها  مقتل والدي في نهاية العام 2015 ومعه خالي أيضاً، وكل ذلك نتيجة الأحداث العسكرية التي طالت قريتنا، أما حالياً فأنا أعيش مع والدتي، وقد درست في العام الدراسي الماضي الصف التاسع الإعدادي كاملاً، ولكن للأسف لم أنجح بالتقدّم إلى الصف العاشر، بل أظهرت نتيجتي أنني رسبت في المدرسة العام الماضي، وعلى إثر ذلك تلقيت العديد من رسائل العتاب والاستياء من الأهل بسبب رسوبي في المدرسة، ولكن  لم يعد بمقدوري التقدّم أكثر من ذلك، فصوت أخي وصور أقاربي لا تزال في مخيلتي، وكأنهم يعيشون معي في كل لحظة، ولطالما حاولت الإمساك بالكتاب للقراءة للتحضير أثناء فترة الفحوصات، ولكن دون فائدة لأنني كنت أشعر بضيق كبير وإرهاق وتعب نفسي، وفي أغلب الأحيان كنت أجهش بالبكاء دون أن أعلم السبب."

وأضاف عباس بأنّ مشاهد الدمار وصور الأشلاء نتيجة عمليات القصف العنيفة التي طالت بلدته خلال السنوات الماضية، جعلته يعاني حالة صعبة جداً لم يتمكن من تجاوزها، وعلّق على ذلك قائلاً:

"أشعر وكأنني إنسان محطم من الداخل، وعلى الرغم من أنني أعيد دراسة الصف التاسع الإعدادي مرة أخرى، غير أنّني ما زلت أشعر بأنني لن أنجح في دراستي، لأنني لا أستطيع التركيز ولا حفظ المعلومات أو حتى ممارسة اللعب مع أصدقاء المدرسة، وكلي أمل في أن أتمكن من التغلب على هذا الشعور وأن أعود لسابق عهدي، وأتمنى أن يسود الأمان في كل العالم وينعم الجميع بالحرية والعيش الهنيء."


 "دخل في صفه الرابع الابتدائي وهو لا يجيد حتى القراءة والكتابة":

"عبود الحسين" طفل آخر من ريف إدلب الجنوبي، ويبلغ من عمر عشرة أعوام، ينحدر "عبود" من "بلدة اللبويب" التي شهدت كغيرها من مدن وبلدات ريف دلب، عمليات قصف عنيفة من جانب القوات النظامية السورية خلال الأعوام الفائتة، حتى إنّ المدرسة الوحيدة في القرية لم تسلم هي الأخرى من القصف والدمار الذي طال أجزاءِ منها، وهو ما جعل "عبود" يشعر بخوف كبير كلما توجه صباحاً إلى تلك المدرسة، كما حوله إلى طفل لا يتقن القراءة والكتابة على الرغم من أنه طالب في الصف الرابع الابتدائي، وفي هذا الخصوص تحدّث والده لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة قائلاً:

"نشأ عبود في جو مليء بالرعب جرّاء القصف الشديد والتشرّد وفقدانه لأعز أقاربه وأصدقاء طفولته، فهو لا يستطيع أن يكتم خوفه عند سماعه لصوت طائرة من هنا أو صوت قذيفة من هناك، وبعدها تظهر عليه آثار مثل استمرار الخوف حتى بعد توقف القصف، ولكن لا غرابة في ذلك فالحرب تجعل من قلوب الكبار ترتجف خوفاً أحياناً، وبعد الهدوء شبه نسبي الذي حلّ  في محافظة إدلب، نتيجة اتفاقية المنطقة المنزوعة السلاح[4]، توقعنا أن يتعافى الجميع بما فيهم الأطفال من هذه الحالة النفسية الحرجة، غير أنها للأسف لم تتراجع بل زادت لتؤثر على دراسته وإدراكه بشكل عام. في الحقيقة لم نعطِ بالاً لهذا الأمر في بادئ الأمر، ولكن أصبحت حالته غير طبيعية عندما دخل في الصف الرابع الابتدائي وهو لا يجيد حتى القراءة والكتابة، كما أنّ عدم رغبته في التعلّم وانطوائه على الذات وعدم أدائه الواجبات المدرسية، كل هذه الأشياء أصبحت واضحة لنا، ونحاول الآن جاهدين مساعدته بممارسة العملية التعليمية بجو من المرح واللعب والهدايا التحفيزية، ولكن للأسف كل هذا لم ينجح معه فقد تراجع إدراكه وضعف حفظه وخمدت همته بنسب كبيرة وأصبح لا يعير أدنى اهتمام بدراسته أبداً."


صورة تظهر الطفل "عبود الحسين" من ريف إدلب، مصدر الصورة: عائلة الطفل "عبود الحسين".

 

وأضاف والد الطفل بأنّ هنالك العديد العائلات في ريف إدلب والتي يعاني أطفالها المشكلة ذاتها، وكل ذلك نتيجة الضغط النفسي الذي واجهوه خلال سنوات النزاع السوري، كما أشار إلى أنّ الطرق المتبعة في كثير من المدارس وعدم الاهتمام بالجانب النفسي للطفل، كانت قد ساهمت بشكل كبير في ضعف التركيز لدى الأطفال، ولافتاً إلى أنّ المسؤولية في ذلك تقع على عاتق الجميع، ابتداءً من الأسرة ومروراً بالمجتمع وإدارة المدرسة، حتى يتخلص الطفل من هذه الحالة التي أصابت العديد من أطفال سوريا على حد وصفه.

"التراجع الذهني والإدراكي لدى الأطفال بلغ ذروته":

" يحيى أحمد مصفرة " 48 عاماً، وهو أحد المدرّسين من مدينة سراقب في ريف إدلب، وكان قد أمضى قرابة 20 عاماً في هذه المهنة وعمل على تعليم العديد من الطلاب في كافّة المراحل التعليمية، حيث أفاد لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بحكم تجربته الطويلة في التعليم، حول تراجع مستوى التركيز لدى أطفال مدينته منذ اندلاع النزاع السوري، مشيراً إلى أنّ العديد منهم يعانون وضعاً نفسياً سيئاً للغاية، وتابع قائلاً في هذا الصدد:

"من خلال عملي كمدرّس ومدير لإحدى المدارس الابتدائية في سراقب والتي تضم حوالي 170 طفلاً من الصف الأول حتى الصف السادس الابتدائي، لاحظت وبشكل جلي وواضح مدى تأثر الأطفال بالصراع المسلّح الذي عاشوه خلال السنوات الماضية، وقد انعكس ذلك على سلوكهم وتصرفاتهم وعاداتهم التي تدلّ بشكل واضح على أنّ شرخاً عميقاً أصاب شخصيتهم ونفسيتهم وأفقدهم الكثير من الثقة بالنفس، فضلاً عن الكثير من العادات السيئة التي طرأت على حياتهم داخل المدرسة، أما من جانب التراجع الإدراكي والذهني فإنّ الأطفال في السابق أي ما قبل اندلاع الأحداث في سورية، كانوا أكثر تركيزاً في دروسهم وأسرع في حفظ المعلومات، فقد كان الواحد منهم يفهم الدرس من المرة الأولى، أما الآن فنلاحظ عليهم قلّة التركيز وسوء الحفظ، ونضطرّ أحياناً لإعادة شرح الدرس مرتين أو ثلاث مرات حتى يتمكنوا من فهمه، وكأننا أمام أطفال آخرين ومختلفين تماماً عن الجيل الذي قمنا بتدريسه قبيل الأحداث السورية، فهل خوفهم من الموت أفقدهم التركيز؟ أم أنّ مرضاً نفسياً أصابهم. باختصار فإن التراجع الذهني والإدراكي لدى الأطفال، كان قد بلغ ذروته في إدلب وحماه مؤخراً، لذا نحاول التواصل مع الأطفال من خلال القيام ببعض الأنشطة الترفيهية ونحاول الولوج إلى داخلهم لنجد سبب هذا الضعف الذهني الذي حلّ بهم."

وتابع "أحمد" بأنّ التراجع الذهني والإدراكي كان قد أصاب الأطفال في سن 11 عاماً أكثر من باقي الفئات العمرية الأصغر، كما لاحظ بأنّ نسبة التسرّب من المدارس كانت قد ازدادت بشكل كبيرة خلال السنوات الفائتة، وخاصةً عند الطلاب الذكور، وأضاف قائلاً:

"أرى أنّ الحل لهذا التخلف الذهني لدى الأطفال بعد مضي سنوات الحرب في سورية، هو في رعايتهم رعاية خاصة بعيدة عن أجواء التدريس التقليدية، والأهمّ من ذلك هو عدم تكليفهم بالكثير من الواجبات المدرسية وكثرة الحفظ، وإنما الترّيث قدر المستطاع والتماشي معهم بخطة تدريسية محكمة يتخللّها رحلات ترفيهية وأنشطة منوعة، كما يجب تجنب التأنيب والعنف لأنّ هذه الفئة من الأطفال أي طلاب المرحلة الابتدائية هم فئة حسّاسة، لذا فهم وعلى الرغم من صغر سنهم ونعومة أظفارهم إلا أنهم عانوا القصف والأصوات المرعبة والتشرّد وفقدان الأهل والأقارب والأصدقاء، وفي النهاية نأسف أن نقول إن لم يتم ردم هذه الفجوة الخطيرة وتداركها، فإننا سنكون أمام أجيال من الأميين."

"طفل غير متعلّم أفضل بكثير من طفل قتيل":

"فواز أصلان" وهو موجه تربوي وعامل في مجال الدعم النفسي في محافظة إدلب، قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنّ حالة عدم الاستقرار التي يعاني منها الأطفال بسبب الحرب والنزوح، أثرت بشكل سلبي كبير على تراجع مستوى الوعي التعليمي واستيعاب المعلومات لدى الأطفال، كما أنّ الشعور بعدم الأمان دفع العديد من الأهالي إلى عدم إرسال أطفالهم إلى المدارس، متبعين بذلك مقولة" طفل غير متعلم أفضل بكثير من طفل قتيل"، وتابع قائلاً في هذا الخصوص:

"أصبح العديد من الأطفال  في محافظة إدلب يعانون مع عدم الاستقرار وانخفاض الوعي التعليمي، إذ أصبح هنالك فرق كبير بين العمر الزمني والعمر العقلي لهم، فعلى سبيل المثال هناك أطفال يبلغون من العمر 11 عاماً، لكنهم لم يتجاوزوا الصف الثالث الابتدائي بعد، أي أنهم يتأخرون لعامين دراسيين، بسبب عدم قدرتهم على استيعاب المعلومات ونقص القدرة على التركيز في تلقي التعليم، كما ازداد عدد المتسربين من المدارس خلال العام الماضي، إلى نسبة 25%، أي أنّ كل مدرسة يبلغ عدد طلابها 600 طالباً، يكون منها 200 طالباً متسربين من المدرسة ولا يلتحقون بها، لذا عملنا في المدارس التي نعمل بها على افتتاح صفّ خاص للأطفال المتسربين، إضافة إلى الأطفال الذين يعانون من انخفاض مستوى التعليم، ويتم التعامل معهم من قبل مختصين لتقديم المعلومات لهم بطريق خاصة وتطوير مدى الوعي والتفكير لديهم."

وفي شهادة أخرى أدلى بها "عبد الله الزيدان" وهو حاصل على إجازة في مجال علم النفس، وأمضى أعواماً طويلة من العمل فيه، كما أنه يترأس حالياً إحدى فرق الدعم النفسي في مدينة أطمة بريف إدلب الشمالي،  حيث قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنّ مشاهد الحرب السورية تركت آثاراً جسيمة على الأطفال بشكل عام، وجعلتهم يصابون بحالة من الخلل السلوكي، حيث تجسّدت لديهم في زيادة العنف والخوف من المستقبل وسوء التغذية والإضرابات التي تصيب الجانب الذهني والسلوكي، إلى جانب الإصابة بالاكتئاب، مشيراً إلى أنّ كل ذلك ينعكس على حياة الطفل الاجتماعية سواء على مستوى الأسرة أو حتى خارج المنزل، وأضاف قائلاً:

"إنّ هذه الانعكاسات قد تختلف من طفل لآخر، وذلك بحسب تفاعل هذا الطفل مع الأحداث الجارية من حوله، فهنالك نوع من الأطفال غير مبالين نوعاً ما إلى درجة معينة، وهنالك أيضاً منهم من يتفاعل بشكل كبير مع كل حدث يجري له أو من حوله، ويرتدّ ذلك سلباً على نفسيته بطبيعة الحال، أيضاً هناك نقطة أخرى لا بدّ من الإشارة إليها أنّ مسألة التراجع الذهني والإدراكي وعدم تقبل فكرة التعليم أو الملل منها أو ما شابه ذلك، هي حالة لا تنحصر فقط في ظل الحرب الجارية في سورية، بل إنها حالة سابقة كانت منتشرة نوعاً ما بين الأطفال، وقد وقفنا على العديد منها سابقاً، ولكن بعد اندلاع الحرب السورية زادت هذه الحالات بشكل كبير، وبدأت تأخذ أبعاداً أخطر وأكثر تعقيداً،  ومن الممكن أن يعاني بعض الأطفال بعد انتهاء الحرب في سورية، من حالة تسمّى علمياً أعراض ما بعد الصدمة، وتتمّثل هذه الحالة في معايشة خيالية للصدمة يعيشها الطفل ويحاول أن يعبرّ عنها بعدّة طرق، مثل رسم مشاهدها أو القيام ببعض الأعمال العدوانية، فضلاً عن الكوابيس المرعبة والتيقظ للخطر دائماً، وغيرها من الأعراض التي تطرأ على المصاب بهذه الحالة."

وأشار "الزيدان" إلى أنّه لا بدّ من توفير عملية تعليمية ناجحة وطرق فعالة وسلسلة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلّحة في ريفي إدلب وحماة، كما أشار إلى ضرورة توفير الراحة النفسية للطفل داخل وخارج المنزل، حتى يتمكن من إنتاج محصول علمي كبير يؤهلّه للتقدّم في تحصيله الدراسي، لافتاً إلى أنّ التحصيل الدراسي يعتبر مؤشراَ تعتمده أغلب النظم التربوية، للإشارة إلى درجة النجاح الذي يحققه الطالب في دراسته، ويمثل اكتساب المعارف والمهارات ومقدرته على استخدامها في حياته، كما أوضح بأنّ وجود مناهج جيدة وأماكن جيدة لممارسة العملية التعليمية هو أبرز الشروط اللازمة لنجاح الطفل في تحصيله الدراسي، وأضاف قائلاً:

"إنّ الكثير من المدارس في ريفي إدلب وحماه كانت قد دُمرّت خلال السنوات الفائتة، يضاف إلى ذلك فقدان الأمان وعدم اعتماد مناهج جيدة وعدم توافر مدرّسين كفؤين إن صحّ التعبير، كل ذلك كان له أثر كبير على التحصيل الدراسي وجعل من الطالب يعاني من حالة التراجع الذهني والإدراكي، كما أنّ النزوح هو عامل مؤثر في نفسية الطفل، وبالتالي ضعف قدراته الذهنية والإدراكية وتراجع تحصيله الدراسي، إذ أنّ انتقاله من مكان لآخر يغيّر عليه البيئة المحيطة والأصدقاء، وعند وضع هذه الحالة أي التراجع الذهني والإدراكي لدى الأطفال في موضع الحلّ والعلاج، فإننا نقف أمام مشكلة كبيرة، فمن المعلوم أنّ علاج أي مرض يحتاج للتخلص من الأسباب المؤدية له، فكل ما ذكرته من أسباب تساهم في نمو هذه الحالة، هي أسباب يصعب التخلص منها بسبب الحرب كمفهوم عام، لذا لا بدّ من توفير الأمن لحياة الطفل وبيئة حاضنة له تكون جيدة نوعاً ما، ومنهاج تعليمي مهني ومتطور مع مراعاة البدء مع الأطفال من نقطة الصفر وبتروي، حتى نكشف عن الأسباب التي تمنع الطفل من عدم رغبته في التعلم، ومن ثمّ محاولة تخفيف هذه الأسباب قدر المستطاع، بالإضافة إلى تبسيط الأحداث له بأن نعبر له عنها بطريقة موضوعية ليستوعبها."

"وصلت حالات التسرّب المدرسي إلى ما نسبته 40% في إدلب وحماه بسبب الضغط النفسي وكره التعليم":

وفي شهادة أخرى أدلى بها "صلاح الخطاب" وهو مسؤول الصحة المدرسية التابعة لمديرية التربية الحرّة/التابعة للحكومة السورية المؤقتة المعارضة في محافظة حماه، إذ قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، بأنّ حجم التسرب المدرسي الحاصل مؤخراً نتيجة الضغط النفسي والكره الشديد للتعليم أصبح كبير جداً، وخاصة بين فئة طلاب المرحلة الثانوية، كما أشار إلى أنّ الآثار النفسية التي سببتها الحرب، ظاهرة بشكل واضح على جميع الأطفال من كافة المراحل التعليمية في مدارس ريف حماة وريف إدلب، حيث تمّثل ذلك في عدم تقبل الأطفال للتعليم وتراجع تحصيلهم الدراسي بشكل كبير كما أثر على عدم قدرتهم للحفظ وفهم المعلومات وتابع قائلاً في هذا الخصوص:

"نحن في إدارة صحة الطفل لا زلنا مستمرين في محاولاتنا للوقوف إلى جانبهم لتخطي هذه المرحلة من حياتهم حتى يتكون لديهم نظرة مختلفة عن حال الوضع في سورية، أي الانتقال إلى مرحلة جديدة تصحّح مسارهم التعليمي وتجعلهم أكثر حباً وإقبالاً على التعلّم، وقد قدمنا في إدارة الصحة المدرسية في الآونة الأخيرة مشروعاً إلى مديرية الصحة الحرّة، وهي بدورها قامت بتقديمه لإحدى المنظمات الراعية، وقد تمّت الموافقة على تبني المشروع وننتظر البدء بتنفيذه على الأرض، وهو عبارة عن تجهيز كوادر طبية باختصاص نفسي وإرشادي بالدرجة الأولى من أطباء وممرّضين يقومون بجولات دورية على المدارس لتقديم الدعم النفسي للطلاب خصوصاً في المرحلة الابتدائية، ويرافقهم أيضاً أطباء من اختصاصات أخرى للإسعافات الأولية الطارئة، ونسعى في هذا المشروع إلى تأمين بيئة تعليمية مريحة وهادفة للأطفال، بحيث تبعث في أنفسهم الراحة وتجعلهم أكثر تقبلاً للعلم والدراسة، وبالنسبة لحالات التسرب المدرسي الذي نلاحظه، فهو يأتي نتيجة للضغط النفسي بالدرجة الأولى بلا شك، وعدم تقبل الطالب لفكرة ممارسة التعليم ضمن جو من القصف والتشرد، وقد وصلت نسبة التسرب من المدارس في مناطق ريف حماة وخاصة بين فئة الطلاب من المرحلة الثانوية إلى ما نسبته 40%."

وتابع "الخطاب" بأنّ ظاهرة التشتت الذهني والتراجع الإدراكي لدى الأطفال، لن تزول بشكل كامل إلا في حال تأمين مساحة صديقة للطفل وهذه المساحة الصديقة لن تتوفر إلا عبر أنشطة موجهّة يقوم ويشرف عليها خبراء متمرّسون يستطيعون تحويل ذهن الطفل بشكل لطيف وهادئ إلى الدراسة ونسيان حالة الحرب التي عاشوها وتخليصهم من حالة الخوف التي لا تزال تتملّك الكثير منهم.


[1] "رغم أكثر من سبع سنوات من الحرب، يحصل ما يقرب من 5 ملايين طفل سوري على التعليم" منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) بتاريخ 23 نيسان/أبريل 2018. آخر زيارة بتاريخ 28 تشرين الثاني/أكتوبر 2018. https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/unicef-syria-PR-ar.pdf.

[2] " أطفال ضحايا جمع الخردوات من تحت الأنقاض في مدينة الرقة" سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2018. آخر زيارة بتاريخ 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2018. https://www.stj-sy.com/ar/view/953.

[3] " انتشار عمالة الأطفال في مدينة حماه في ظل غياب الرقابة والمحاسبة" سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.آخر زيارة بتاريخ 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2018. https://www.stj-sy.com/ar/view/987.

[4] "تركيا تعلن إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب" موقع روسيا اليوم في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2018. آخر زيارة بتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2018. https://arabic.rt.com/middle_east/975410-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%A5%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B7%D9%82%D8%A9-%D9%85%D9%86%D8%B2%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7-%D8%A5%D8%AF%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D9%8A%D9%84%D8%A9/.

وسوم
حقوق الطفل إدلب انتهاكات أخرى

موضوعات ذات صلة

التعليقات

    لا يوجد تعليقات كن أول المعلقين

اترك تعليقك