أكثر من (100) ورشة كانت قد نشطت مؤخراً في مناطق ريف حماه

شهدت العديد من مناطق ريف حماة مؤخراً، ازدياداً كبيراً في عمليات التنقيب العشوائي عن الآثار، حيث عمد بعض المدنيين إلى إنشاء ورش خاصة للتنقيب عن الآثار، وخاصة في مناطق ريفي حماة الغربي والشمالي والمعروفة بانتشار العديد من المواقع الأثرية فيها مثل "قلعة أفاميا/قلعة المضيق[1] " و"تل قرقور" الأثري وغيرها، حيث يتمّ لاحقاً تهريب هذه القطع إلى خارج سوريا ومن ثمّ بيعها، ووفقاً للعديد من الشهادات التي حصلت عليها سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فإنّ العديد من الورش كانت قد نشطت مؤخراً حول قلعة أفاميا/قلعة المضيق[2]، للتنقيب عن الآثار حولها، حيث تقوم هذه الورش بنبش العديد من المقابر الأثرية المحيطة بالقلعة، حتى وصل الأمر بهم للتنقيب والوصول إلى أسوار القلعة الخارجية.

وبحسب الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فإنّ أكثر من (100) ورشة تعمل على التنقيب العشوائي في مناطق ريف حماة عموماً، ولعلّ أكثر المناطق التي يجري التنقيب فيها هي قلعة "أفاميا"، لافتاً إلى أنه وعلى الرغم من مناشدات الأهالي الهادفة إلى إيقاف هذا الاعتداء على التراث السوري، لايزال العديد من الأشخاص يقومون بعمليات التنقيب تلك، للبحث عن أي قطع أثرية وبيعها بأسعار زهيدة، وتصديرها إلى خارج سوريا، كما أشار إلى أنّ هذه الظاهرة كانت قد انتشرت بشكل ملحوظ على مرأى ومسمع فصائل المعارضة المسلّحة[3]  المسيطرة على مناطق ريف حماة.

وليست هذه المرة الأولى التي تجري فيها عمليات تنقيب عشوائية عن الآثار في مناطق سيطرة المعارضة المسلّحة في سوريا، ففي بلدتي كفريا والفوعة، وتحديداً في شهر آب/أغسطس 2018، بدأت مجموعة من العاملين في تنقيب الآثار ويبلغ عددهم قرابة (500) شخصاً، بعمليات بحث وتنقيب في عدد من الأماكن التي قد تحوي على قطع أثرية في البلدتين، وذلك بعد حصولهم على إذن وموافقة من الفصائل التي تسيطر على المنطقة، ومنها هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية وصقور الشام، وكانت سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، قد أعدّت تقريراً حول هذا الموضوع[4].

وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) قد أعلنت في بداية العام 2017، أنها تلقت تقارير وصوراً من معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث والبرنامج التشغيلي للتطبيقات "الساتلية" التابع له تؤكد تدمير واحد من أشهر المعالم الأثرية في مدينة تدمر وهو (التترابليون) بالإضافة لواجهة المسرح الروماني، كما كانت قد أدانت تدمير المعالم الأثرية في سوريا[5]. كما قالت في تقرير آخر لها صدر في العام 2014، بأنّ "عدداً كبيراً من المواقع الأثرية في سوريا يُستهدف منهجياً بأعمال تنقيب غير مشروعة ومنها موقع أفاميا الأثري في محافظة حماة. وأشارت إلى أنّ القطع الأثرية ذات الأهمية الثقافية التي يتم التنقيب عنها بصورة غير مشروعة سلعاً مدرّة للأرباح بالنسبة إلى التجار عديمي الضمير الذين يعملون محلياً وفي الخارج".[6]

"وترتكز الحماية التي تشمل الممتلكات الثقافية في النزاعات المسلحة على مبدأ منصوص عليه في اتفاقية لاهاي لعام 1954 فحواه أن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب، تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء، وتتمتع الممتلكات الثقافية بالحماية خلال الحرب على مستويين؛ إذْ من ناحية، تنطبق عليها الأحكام العامة للقانون الإنساني التي تمنح الحماية للممتلكات المدنية بحكم أنها ممتلكات غالباً ما تكون مدنية بطبيعتها. ومن ناحية أخرى، تُكرّس اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الملكية الثقافية في حالة نزاع مسلح حماية خاصة تعترف بالتراث الثقافي لكل شعب. وتم تعزيز هذه الاتفاقية ببروتوكولين إضافيين عام 1977 وأصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي."[7]
 

أولاً: انتشار ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار في قلعة أفاميا:

تنتشر عملية التنقيب العشوائي عن الآثار في ريف حماة الغربي، دون أي رقابة من فصائل المعارضة المسلّحة التي تسيطر هناك، وخاصةً منذ بداية العام 2018، بحسب ما أكده "إبراهيم الحمزة" وهو أحد أهالي مدينة قلعة المضيق كما أنه أحد العاملين في ورش التنقيب العشوائية، حيث تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة حول الطرق التي تتبعها ورش التنقيب العشوائي في العمل، كما أوضح مصير القطع الأثرية التي يتم العثور عليها وكيف يتم تصديرها إلى الخارج، حيث قال في هذا الصدد:

"جميعنا على علم بالقيمة التراثية لهذه القطع الأثرية، فهي تشكّل جزءً من حضارة البلاد الذي لا يجدر بنا التخلي عنه، ولكنّ تدّخل عدّة عوامل من أههما انتشار البطالة بين فئة الشباب في ظل الأوضاع الراهنة، أجبرت الكثير منهم على الانخراط في هذا العمل من أجل إعالة أسرهم، وقد انتشرت في منطقة ريف حماة الشمالي والغربي أكثر من 100 ورشة تنقيب عشوائي، ويتفاوت عدد أفراد كل ورشة ما بين 3 إلى 8 أشخاص، وينقسم العمل بطبيعته إلى قسمين، فأولاً يوجد هنالك عدداً من المواقع الأثرية المعروفة في ريف حماة، وهذه المواقع غنية بالعديد من القطع التي يمكن العثور عليها وبيعها، ولا نحتاج في مثل هذه الحالة إلى ضمان الأرض من صاحبها بمبلغ مالي، فالموقع الأثري لا يمنعنا أحد من القيام بالتنقيب فيه، بل إنّ العمل يكون فيه أسهل، باعتبار أنّ الحفر يكون على مسافة قريبة من مستوى سطح الأرض عادةً، أما القسم الآخر فهو التنقيب بعيداً عن المواقع الأثرية أي في أراضي تعود ملكيتها للسكان، حيث يتم حينها الاتفاق مع صاحب الأرض للسماح لنا بالتنقيب مقابل أن يشاركنا في المبلغ الذي نحصل عليه عند الانتهاء، وهذه العملية تتمّ بعد إحضار خبير مختّص يتأكد لنا من وجود أشياء ثمينة في باطن الأرض."

صور خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر بعضاً من القطع أثرية التي تمّ العثور عليها في "قلعة أفاميا" الأثرية في ريف حماة الغربي منذ بداية العام 2018 وحتى شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018.

وأشار "الحمزة" إلى أنه ومع بداية العام 2018، تمّ إجراء العديد من عمليات التنقيب في محيط "قلعة أفاميا" الأثرية ووصلت ورش التنقيب إلى السور الخارجي للقلعة والتي يتمركز فيها جنود وآليات عسكرية تابعة للقوات النظامية السورية، موضحاً بأنهم عملوا جاهدين حتى لا يتم رصد تحركاتهم من قبل أولئك العناصر، وهو ما دفعهم للعمل في أوقات وظروف معينة، وتابع قائلاً:

"قمنا بالتنقيب أيضاً في بعض المواقع الأخرى مثل موقع "حورته" الأثري والواقع في جبل شحشبو بالإضافة إلى "تل القوقور" الأثري في منطقة سهل الغاب، و (90%)  من الأشياء التي عثرنا عليها خلال فترة التنقيب هذه، هي أشياء ليست ذات قيمة مادية كبيرة مثل قطع نقدية وأواني نحاسية وفخارية، ولكن في الحقيقة كنا أحياناً نعثر على أشياء ثمينة مثل تماثيل وقطع ذهبية وغيرها، وغالبية هذه القطع الثمينة تعود إلى العصر الروماني، أما عن الأدوات التي تستخدم في التنقيب فهي عبارة عن قضبان حديدية ملساء تسمى محلياً (الجاسوس)، وأطوالها تتراوح بين 1 إلى 4 أمتار، بالإضافة إلى أدوات الحفر التقليدية مثل المجرفة، ولا بدّ أيضاً لإتمام العمل من وجود جهاز للكشف عن الآثار، وهو عبارة عن جهاز كان في بدايته جهاز للكشف عن الألغام الأرضية قبل أن يتم تطويره لغرض التنقيب عن الآثار، ويبلغ متوسط سعره حوالي 500 دولا أمريكي، ويتم تهريبه من أحد الدول المجاورة عن طريق مهرّبين."

وأضاف "الحمزة" بأنّ القطع الأثرية التي ينجحون في العثور عليها، يقومون ببيعها لاحقاً لتجّار آثار معروفين في المنطقة وهم بدورهم يقومون بتصديرها إلى خارج البلاد، وفي حال كانت هذه القطع تعود لعصور إسلامية عربية فهي تكون مرغوبة نوعاً ما عند التجّار العرب، أما في حال في حال كانت القطع قديمة جداً ومن عصور بعيدة فيمكن في هذه الحالة أن يتم تصديرها إلى تجار أجانب من دول غربية على حد وصفه، وأكمل قائلاً:

"لا شكّ أنّ المبالغ المالية التي يحصل عليها التجّار هي كبيرة جداً، ولكن نحن كمنقبين عادة ما نقبل بمبالغ قليلة على اعتبار أنه لا سبيل أمامنا سوى بيعها لهم، مع السعادة الغامرة التي أشعر بها أنا شخصياً عند عثور ورشتي على قطع أثرية وبيعها والحصول على أموال مقابلها، ولكن يبقى هنالك نوع من الحزن على تفريطنا مرغمين على هذا الإرث الحضاري الثمين، بسبب حاجتنا لذلك فلا يوجد لدينا ما نقوم به لكسب قوت يومنا إلا هذه المهنة التي أخذت بالرواج حتى أصبحت اليوم شغل الكثير من الشباب العاطلين عن العمل."

وفي شهادة أخرى، قال "شحود الجدوع" وهو أحد الناشطين الإعلاميين في مدينة كفرزيتا في ريف حماة الشمالي بأنّ ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار في ريف حماة كانت قد بدأت قبيل اندلاع النزاع السوري عام 2011، لكنها ازدادت في الأعوام الثلاثة الأخيرة، لافتاً إلى أنها ظاهرة سلبية جداً، وتعتبر اعتداء على الحضارة التي تتميز بها البلاد، كما أفاد بأنّ بعض ضعاف النفوس قاموا ببيع تاريخهم وحضارتهم في السوق السوداء مقابل البعض من المال، وتابع قائلاً:

"قبيل اندلاع الأحداث في سوريا، كان كل من يعثر في أرضه على أيّ قطعة أثرية وعن طريق الصدفة، كان مصيرها المصادرة من قبل الأجهزة الأمنية السورية في حال اكتشفت أو علمت بذلك، ولا يتم تعويض ذاك الشخص بأي شيء ولو كان مبلغاً تحفيزياً أو حتى كلمة ثناء، ومع انطلاق الأحداث في سوريا، كان الأمر بمثابة صفارة البدء لبعض الأشخاص، للبحث والتنقيب مع غياب السلطة الأمنية والمراقبة في كثير من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، ولكن هذا لا ينفي أنّ التنقيب عن الآثار حالياً وتصديره إلى دول الخارج لبيعه أمراً غير مقبول، حتى إنّ كثيراً من المدنيين يعارضون هذا الفعل ويفعلون ما بوسعهم لإيقافه، ولكن التنقيب لا يزال مستمراً إلى الآن، ولا بدّ من وضع قوانين صارمة تجرّم المنقبين بطريقة عشوائية ومصادرة تلك القطع والمحافظة عليها لتكون في المستقبل الواجهة الحضارية السورية، كما لا بدّ أيضاً من وجود جهة رسمية تتبع للحكومة المعارضة تكون بالفعل معنية بموضوع الآثار والمتاحف، لتستقطب هذه اللقى الأثرية وتضعها في مكانها المناسب، بعيداً عن أيدي التجّار الذين يسعون أولاً وآخراً إلى جمع الأموال ولا يعنيهم التفكير في عواقب هذا العمل."
 

ثانياً: التنقيب العشوائي عن الآثار كمصدر رزق في مناطق ريف حماه:

وفي شهادة أدلى بها "حذيفة محمد/اسم مستعار"، وهو أحد أهالي منطقة سهل الغاب في ريف حماة الغربي، متزوج ولديه 3 أطفال، وكان قد عمل قبيل اندلاع النزاع السوري كمعّلم في أحد المدراس، قبل أن يترك عمله في بداية العام 2013، بسبب ما يصفه بالظروف الأمنية الصعبة في منطقة سهل الغاب إضافة إلى اعتقاله في أحد الأفرع الأمنية في مدينة دمشق لمدة 6 أشهر، فبدأ بالبحث عن عمل للحصول على قوت يومه وسداد حاجة أسرته، ليجد نفسه عاملاً في إحدى ورش التنقيب العشوائي عن الآثار في ريف حماة وتحديداً في منتصف العام 2015، حيث تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة حول هذا الخصوص قائلاً:

"إثر خسارتي لوظيفتي، قررت العمل في هذا المجال بعد عرضه عليّ من قبل أحد الأصدقاء، فبدأت العمل ضمن مجموعة من الأشخاص في شهر حزيران/يونيو 2015، وكانت نقطة انطلاق عملنا هي "قلعة أفاميا" الأثرية "، حيث بدأنا بالتنقيب في الأجزاء السفلية من القلعة، وكان موعد عملنا ليلاً خوفاً من رصدنا من قبل القوات النظامية السورية المتمركزة أعلى القلعة، ولم نستمر في العمل لمدة طويلة فقد كانت مدة عملنا لا تتجاوز بضعة أيام، ثم قرّرنا بعد ذلك البحث عن موقع آخر كي نقوم بالتنقيب فيه، وبعد أيام من البحث اتفقنا نحن أفراد المجموعة على التنقيب في موقع "تل القوقور"، وهو عبارة عن تل أثري يقع في الجزء الشمالي من سهل الغاب في ريف حماة الغربي، وكانت المجموعة مزّودة بجميع المعدّات والأجهزة اللازمة للتنقيب من قبل صاحب الورشة، فبدأنا التنقيب في "تل القرقور" وكان عملنا أيضاً في فترة المساء وذلك بسبب عدم رغبة سكان المنطقة بهذا العمل، وكان التنقيب يتم بالتناوب بين أفراد المجموعة، فمنهم من يقوم بالحفر ومنهم من يعمل على إزالة وترحيل التراب، بالإضافة لوجود شخص بفرقتنا وهو خبير في القطع الأثرية ويستطيع معرفة تاريخ كل قطعة نعثر عليها وإلى أي عهد تعود وقيمتها الأثرية، وأذكر أننا بقينا نعمل في "تل القرقور" لمدة أسبوعين ولم نعثر على أي قطعة ذات قيمة مالية كبيرة على اعتبار أنّ الموقع كان مرتفعاً، وبحسب الخبير فإنّ القطع الأثرية الثمينة تكمن في باطن التل على مسافة بعيدة من مستوى سطح الأرض، الأمر الذي جعل من عملنا يزداد صعوبة إلى درجة كبيرة."

عقب إنهائهم عملية التنقيب العشوائي في "تل قرقور" الأثري، قرر محمد وأصدقاؤه الانتقال إلى منطقة أخرى، وهي "تل قليدين" في منطقة سهل الغاب في ريف حماة الغربي، وبعد مرور عدّة ساعات على عملهم في هذا الموقع، عثروا على مدخل لكنيسة رومانية وإلى جانب هذا المدخل كانت هنالك لوحة مرسومة من أحجار الفسيفساء، ولكنّ اللوحة لم تكن مكتملة، نظراً لتعرّض هذا المواقع لعمليات تنقيب سابقة على حد وصفه، وأضاف قائلاً:

"بشكل عام وبحسب ما أذكره أننا قمنا بالتنقيب في الكثير من المواقع منها "قلعة أفاميا" و "تل القرقور" و "تل قليدين" و"منطقة الخرابات" في ريف إدلب الغربي، و"منطقة البارة" أيضاً، لكن لم نوفق في العثور على أشياء ثمينة مثل قطع ذهبية أو تماثيل أو مقابر ملكية، بعدها توجهنا إلى نوع آخر من العمل وهو البحث عن الإشارة التي تدلّ على وجود كنوز دفينة، مثل إشارات حيوانية كالعقرب و السلحفاة والجمل والإشارات الهندسية أيضاً، ولم نعثر على أي واحدة منها في جميع مناطق ريف حماة، غير أننا عثرنا على واحدة فقط وهي إشارة عقرب في منطقة جبل الأكراد في ريف اللاذقية ولم نستطع تحليل تلك الإشارة ومتابعة العمل بسبب تدخل أحد الفصائل هناك ومنعنا من متابعة العمل، بحجّة أنها منطقة عسكرية على حد قولهم، وخلال فترة عملي في هذا المجال لاحظت أنه لا تكاد تخلو منطقة في ريف حماة من وجود موقع أثري أو أكثر، ولكنّ غالبيتها كان يُقال عنها محلياً "منهوبة"، أي أنّ عمليات تنقيب قد جرت لها سابقاً، وخلاصة الحديث أنّ التنقيب عن الآثار يزيد الإقبال عليه من قبل الشباب يوماً بعد آخر، وقد أصبحت مهنة شائعة وذلك بسبب تفشي ظاهرة البطالة إلى حد كبير، كما أنّ الإهمال الأمني أيضاً يلعب دوراً كبيراً، فخلال كل الوقت الذي عملت فيه في هذا المجال لم أجد أي ممانعة من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لقوات المعارضة المسلّحة أو وجود أي قوانين صارمة تحد من حرية هذا العمل."

"خالد الحاج عباس" أحد الخبراء المختصين في علم الآثار في ريف حماة الغربي، تحدّث عن سبب كثافة تواجد القطع الأثرية في مناطق ريف حماة، وأهم الأشياء الثمينة التي عاينها خلال استشارته من قبل العديد من تجّار الآثار والمنقبين في المنطقة، وأوضح أنّ النسبة الأكبر من القطع الأثرية في منطقة ريف حماة هي تماثيل وقطع نقدية، وفي هذا الخصوص تحدّث لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة قائلاً:

"عند الحديث من الناحية التاريخية، فإنّ سبب كثافة القطع الأثرية في منطقة ريف حماة يعود لعدة أسباب، من أهمها على الإطلاق أنّ هذه المنطقة تتوفر فيها جميع مقومات الحياة من أراضي زراعية خصبة، بالإضافة لوجود نهر العاصي، وطبيعة الأرض الصالحة لبناء القلاع والحصون، ما جعل منها مقصداً للكثير من الملوك والسلاطين في العصور السابقة، وهذا ما يفسر الكمّ الكبير من القطع الأثرية في هذه المنطقة، وقد لاحظت في الفترة الماضية خصوصاً في العامين الماضيين إخراج مئات القطع الأثرية ويوجد منها ما هو ثمين جداً من الناحية التاريخية ومن الناحية المالية أيضاً، ويكثر في المنطقة وجود التماثيل التي تمّ تصنيعها في العصور السالفة، فهي تنقسم إلى نوعين فمنها ما تمّ تصنيعه ليمّثل الآلهة التي كانت تعبد في تلك الحقبة من الزمن، أما النوع الثاني فهي تماثيل تجسّد صورة لملك من الملوك أو أمير من الأمراء كان له شأن بين أبناء شعبه، فيقومون بتخليد صورته على شكل تمثال، يصنع غالباً من الحجر الصمّ أو من أنواع أخرى كالفخار، وكانت توضع في العديد من الأبنية الأساسية في البلاد مثل زاوية المسارح والمعابد والحمامات والقصور وغيرها، وقد اشتهر بها الرومان الذين حكموا المنطقة."


 
 

صور خاصة بسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، تظهر بعضاً من القطع أثرية التي تمّ العثور عليها في "قلعة أفاميا" الأثرية في ريف حماة الغربي منذ بداية العام 2018 وحتى شهر تشرين الأول/أكتوبر 2018.

وتابع "عباس" بأنّ قيمة التمثال التاريخية تعتمد على أساس قيمة الشخصية التي تتجسّد في هذا التمثال، ومن ناحية أخرى أيضاً تعتمد على العصر الذي تمّ فيه صنع التمثال، لافتاً إلى أنّ التماثيل الرومانية والإغريقية هي التي تحمل قيمة تاريخية أكبر، كما قال بأنّ القطع النقدية وبشكل عام تقسم إلى قسمين، منها القطع النقدية الإسلامية، ومنها القطع النقدية الغير إسلامية، حيث يشترك النوعان في نوع المادة المصّنعة منها، فهي تنحصر في مواد الذهب والفضة والنحاس، وأضاف قائلاً:

"للقطع النقدية أهمية كبيرة، حيث كانت تصكّ من قبل الملوك والأمراء للتداول بين أفراد الشعب كما هو معروف الآن من النقود المتداولة في كل دولة، وتبرز قيمة القطعة النقدية من نوعيتها والحقبة التاريخية التي تدلّ عليها بالإضافة إلى نوع المادة المصنّعة منها، والرسومات الموجودة على القطعة، وأخيراً تعتمد على عدد القطع التي يتم اكتشافها، فأحياناً يتم اكتشاف مئات القطع موضوعة في مكان واحد، مثل صندوق أو جرة فخارية، فهذا غالباً يعود لأحد الملوك أو لأحد أفراد الأسر الغنية، كما نلاحظ أنّ غالبية القطع التي عُثر عليها في ريف حماة تعود إلى العصر الروماني، ويوجد نسبة منها أيضاً يعود إلى عصور إسلامية مثل العصر الأموي، وفي النهاية أجزم بوجود الآلاف من القطع التي لا زالت مدفونة في مناطق ريف حماة، خصوصاَ في "قلعة أفاميا" الأثرية ومواقع أخرى مثل "تل القرقور" و"حورته" وقرية "أم نير" وغيرها."
 

ثالثاً: مناشدات بلا جدوى لإيقاف ومنع عمليات التنقيب العشوائي في ريف حماه:
"إبراهيم الصالح" وهو مدير المجلس المحلي في مدينة قلعة المضيق بريف حماة، قال لسوريون من أجل الحقيقة والعدالة بأنّ ظاهرة التنقيب العشوائي عن الآثار من قبل بعض المدنيين، كانت قد انتشرت في مناطق ريف حماه مؤخراً، كما أشار إلى بعض الأسباب التي ساهمت في تفشي هذه الظاهرة والتي يصفها بالسيئة والغير مقبولة، كما أوضح أيضاً أنّ المجلس المحلي قام بما يمكنه للحد من هذه الظاهرة ولكن دون أي فائدة تذكر، بسبب ما وصفه بالإهمال الأمني وعدم وجود مرجعية تمثل الآثار والحفاظ عليها، ما زاد من عمليات التنقيب بحرية مطلقة دون أي محاسبة حيث تحدّث في هذا الخصوص قائلاً:

"نأسف عندما نقول بأنّ موضوع التنقيب العشوائي عن الآثار أصبح حالياً موضوعاً عاماً وعابراً لا يوضع له أي قيود ولا يجد أي محاسبة، فالتنقيب بات في أغلب مناطق ريف حماة خصوصاً وبشكل كبير في قلعة أفاميا الأثرية التي يوجد فيها أكبر نسبة من التنقيب، بحكم وجود العديد من الأماكن الأثرية في محيط القلعة التي تسيطر عليها القوات النظامية السورية، وطبعاً نحن في المجلس المحلي في مدينة قلعة المضيق حاولنا جاهدين الحد من التنقيب العشوائي عن الآثار في المدينة، ولكن الظروف الراهنة كانت دائماً ما تمنع فرض مراقبة ومنع هذه العمليات التي تجري هنا وهناك في المدينة، غير أننا لم نستطع منع التنقيب بشكل كامل بسبب كثرة الورش القائمة في هذا العمل، واستطعنا فقط منع ترحيل القطع الكبيرة من المنطقة كالأعمدة الأثرية وغيرها، وللأسف لم نوفق في أكثر من ذلك، ولا زلنا نسعى إلى هذا اليوم من أجل منع عمليات التنقيب العشوائية في المدينة بشكل كامل، ونأمل أن يكون هنالك ضبط من الناحية الأمنية في الفترة القادمة، حيث أننا تواصلنا مع الكثير من الجهات المحلية من أجل هذا الموضوع والحد منه، وقد توصلنا لاتفاق مع مجلس محافظة حماة الحرّة (التابع للحكومة السورية المؤقتة)، بالإضافة للمحاكم القائمة في المنطقة من أجل تجريم ومحاكمة كل من يتم إلقاء القبض عليه ينقل أحجار أو أعمدة أثرية إلى خارج المدينة، وقد تمّ ضبط العديد من الحالات ومحاسبتهم."

 


[1] بحسب الباحث الميداني لدى سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، فإنّ القوات النظامية السورية، تسيطر فقط على القلعة الأثرية في مدينة قلعة المضيق، وتتمركز فيها قواتها، في حين يسيطر فصائل المعارضة المسلحة على مدينة قلعة المضيق.

[2] تأسّست أفاميا في العام 301 قبل الميلاد، واعتبرت من أهمّ مدن شمال سوريا في الحقبة السلوقية. في بداية الحقبة الرومانية، كانت أفاميا تضمّ حوالى 117 ألف نسمة. وبفضل موقعها الاستراتيجي في تلك الآونة، أدّت دوراً عسكرياً وتجارياً بارزاً.

ويعتبر موقع أفاميا من أكثر المواقع تضرّراً نتيجة أعمال الحفر والتنقيب المستمرّة بشكلٍ مخالف للقانون التي تتركّز في المناطق الشرقية، والشمالية الشرقية، والغربية من المدينة. حيث قامت عصابات مسلّحة بأعمال حفر وتنقيب غير مشروعة وممنهجة من خلال استخدام الجرّافات، فضلاً عن استخدام الأدوات الكهربائية المعدّة للبحث عن المعادن بين الحين والآخر، بغية إيجاد الفسيفساء، للمزيد من الاطلاع،

"أفاميا"، مرصد التراث الثقافي السوري، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، https://ar.unesco.org/syrian-observatory/news/%D8%A3%D9%81%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A7.

[3]  يسيطر على ريف حماة الشمالي والغربي، عدد من فصائل المعارضة السورية المسلّحة وأبرزها جيش العزة وجيش النصر.

[4]  "عمليات تنقيب وبحث عن الآثار في بلدتي كفريا والفوعة عقب دخول فصائل مسلّحة إليها" سوريون من أجل الحقيقة والعدالة في 19 أيلول/سبتمبر 2018، آخر زيارة بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2018، https://www.stj-sy.com/ar/view/760.

[5] " اليونسكو تشجب تدمير المعالم الأثرية في سوريا"، موقع الأمم المتحدة في 27 كانون الثاني/يناير 2018، آخر زيارة بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2018، https://news.un.org/ar/story/2017/01/269092.

[6] " أعمال تنقيب منهجية في المواقع الأثرية، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، آخر زيارة بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2018، http://www.unesco.org/new/ar/safeguarding-syrian-cultural-heritage/situation-in-syria/movable-heritage/archaeological-sites/.

[7] "الممتلكات الثقافية في حالة النزاعات المسلحة"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2010، آخر زيارة بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر، https://www.icrc.org/ar/document/protection-cultural-property-armed-conflict.

وسوم
الآثار السورية الإرث الثقافي سرقة الآثار تنقيب غير شرعي عن الآثار

موضوعات ذات صلة

التعليقات

    لا يوجد تعليقات كن أول المعلقين

اترك تعليقك